محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
123
الآداب الشرعية والمنح المرعية
لا تغضبن على قوم تحبهم * فليس ينجيك من أحبابك الغضب ولا تخاصمهم يوما وإن عتبوا * إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا وقال ابن عقيل في الفنون : واللّه ما أعتمد على أني مؤمن بصلاتي وصومي بل أعتمد إذا رأيت قلبي في الشدائد يفزع إليه ، وشكري لما أنعم علي ، وقال قد صنتك بكل معنى عن أن تكون عبدا لعبد ، وأعلمتك أني أنا الخالق الرازق فتركتني وقبلت على العبيد ، كلكم تسألوني وقت جدب المطر ، وبعد الإجابة يعبد بعضكم بعضا . أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ سورة يوسف : الآية 39 ] . وقال أيضا : أما تستحي وأنت تعلم كلب الصيد فلا يأخذ إبقاء عليك فيقبل تعلمك وتكسر عادية طبعه وتكلب نفسه عن الفريسة وهو جائع مضطر إليها ، حتى إذا أخذت الصيد إن شئت أطعمته وإن شئت حرمته ، ينتهي حالك معي وأنا المنعم الذي أنشأتك وغذيتك وربيتك أنني كلفتك أن تمسك نفسك عن البحث فيما يسخطني ، لم تضبط نفسك بل غلبتك على ارتكاب ما نهيت وعصيان ما أمرت ، بلغت الصناعة من هذا الحيوان الخسيس أن يأتمر إذا مر ، وينزجر إذا زجر ، علقت الآداب بالبهيم وما تعلق بقلبك طول العمر وكمال العقل ، تنشط لزرع نواة وغرس فسيلة وتقعد منتظرا حملها ، وينع ثمرها ، وربما دفنت قبل ذلك ولو عشت كان ما ذا ؟ وما قدر ما يحصل منها ؟ وأنت تسمع قولي : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [ سورة إبراهيم : الآية 24 ] . وقولي : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ سورة البقرة : الآية 261 ] . هذا وأمثاله من آي القرآن لا تنشط أن تزرع عندي ما تجني ثماره النافعة على التأييد ، هذا لأنك مستبعد ما ضمنت في الأخرى ، قوي الأمل في الدنيا ، ألم تسمع قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [ سورة الشورى : الآية 20 ] وتسمع : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ سورة النور : الآية 30 ] . وأنت تحدق إلى المحظورات تحديق متوسل أو متأسف كيف لا سبيل لك إليها ، وتسمع قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [ سورة القيامة : الآية 22 ] . تهش لها كأنها فيك نزلت ، وتسمع بعدها : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ [ سورة القيامة : الآية 23 ] . فتطمئن أنها لغيرك . ومن أين ثبت هذا الأمر ، ومن أين جاء الطمع ، اللّه اللّه هذه خدعة تحول بينك وبين التقوى . وقال أيضا : الطباع الردية أبالسة الإنسان ، والعقول والأديان ملائكة هذا الشأن ، وفي